وزيرة لغسل عار الانتحار!

زَرَعَت السَّماء فى نفوسنا حُبَّ الحياة لكى نُعمِّرها ونُطوِّرها ونستمتع بها، فكيف نسعى للتَّخلُّص منها بالانتحار شنقًا أو غرقًا أو علنًا تحت عجلات المترو؟ ما هى لحظة الانهيار النَّفسى التى تجعل من الموت أُمنيةً نسعى إليها؟ لحظة يأس من مرض بلا شفاء؟ لحظة خوف من فضيحة يصعب تجنُّبها؟ لحظة قلق من مجهول قادم يستحيل مُواجهته؟ ربما.. لكن.. المُؤكَّد أن هذه اللحظة يختلف توقيتها من شخص إلى آخر.. ومن رجل إلى امرأة.. ومن شابٍّ إلى هَرِم.. ولا تستطيع رصد أسباب اجتماعية واحدة تُبرِّر الانتحار.. الفقراء ينتحرون، والأغنياء أيضًا.. المرضى ينتحرون، والأصحَّاء أيضًا.. البشر فى دول الشمال الثريَّة التى تُؤمِّن لهم حكوماتهم كل شىء ينتحرون، والبشر فى الجنوب الذين يعيشون حياتهم دون ضمانات أيضًا.

وليس أدلَّ على ذلك من تعيين وزيرة للصحَّة النَّفسية فى بريطانيا لمُواجهة ظاهرة تفشِّى الانتحار ومسح عاره.. الوزيرة جاكى داربرير عضو سابق فى البرلمان منذ ثمانى سنوات.. وأزعجتها زيادة حالات الانتحار سنةً بعد أُخرى، خاصَّةً بين الشباب تحت الثلاثين، ونسبة عالية منهم متفوقون فى دراساتهم ومتميزون فى أعمالهم ويتمتَّعون بصحَّة جيِّدةٍ، وعلاقات عاطفية سويَّة.

ولُوحظ فى السنوات الأخيرة زيادة الظاهرة فى مصر إلى حدٍّ ما، واختار البعض مكانًا عامًّا ينتحر فيه.. تحت عجلات المترو.. أو الشَّنق فى أحد أعمدة كوبرى قصر النيل.. والأخطر أن المُنتحر قد يقتل أفراد عائلته قبل أن يتخلَّص من حياته.. وتكرَّرت هذه الحالة أكثر من مرَّة.. وكأنه لا يكتفى بالخروج من الدنيا وحده، وإنما يُجبر عائلته على مُصاحبته إلى العالم الآخر.

وربما كانت المتاعب الاقتصادية سببًا.. ولكن.. لا أتصوَّر أنها وحدها تكفى، وإنما يجب أن يصحبها فقدُ الشُّعور بالأمل.. وتراجُع الإيمان بالله.. فالمُنتحر فى الدِّيانات السَّماوية يموتُ كافرًا، لا يدخل الجنَّة، وليس له مصير سوى جهنَّم.

بخلاف البوذيَّة التى يحرق رُهبانها أنفسهم فى الطُّرُق العامَّة إذا ما أرادوا الاحتجاج على شىءٍ لا يرضون عنه، ويضغطون لتغييره، مثل انتشار الحروب، وسباق التَّسلُّح النَّووى، وتراجُع الحقوق البشريَّة فى دول العالم المُختلفة.

 

وتُحبِّذ الثَّقافة اليابانيَّة الانتحار إذا ما فقد الرَّجُل شرفه.. أو فسد فى عمله.. أو تجاوز فى حقِّ جيرانه.. الانتحار هناك ليس عارًا، وإنما تخلُّص من عار.

ولا تزيد حالات الانتحار فى مصر على بضع مئات فى العام، ولكن ليس معنى ذلك ألا نتوقَّف عندها بالدِّراسة، والتَّأمُّل؛ فرُبَّما تجاوزت فى أسبابها ما هو خاصٌّ إلى ما هو عامٌّ، وهنا يجب البحث عن حلول قبل أن نجد مُنتحرين أقرب إلينا ممَّا نتصوَّر.

ولُوحِظ أن نسبةً من المُنتحرين فى عُمر الشباب تعاطَوا أنواعًا مُبتكرَةً وخطرةً من المُخدِّرات تُؤدِّى إلى غيبوبةٍ مُؤقَّتةٍ سرعان ما تُصبح غيبوبةً دائمةً.

تركيبات كيميائيَّة مجهولة وقاتلة يقوم بتحضيرها أصحاب صيدليات بلا ضمير لتحقيق أرباح لا تُوفِّرها لهم تجارة الأدوية الطِّبيَّة حسب ما اعترف أحدهم بعد القبض عليه فى بنى سويف.. أكثر من ذلك برَّر جريمته بأنه يُوفِّر أنواعًا رخيصةً من المُخدِّرات بعد أن ارتفعت أسعار الحشيش والهيروين والأفيون وضيَّقت الشرطة الخناق على تجار تلك الأصناف التقليديَّة.

ولا تدفع تلك المُخدِّرات مُتعاطيها إلى الانتحار فقط، وإنما تدفعهم إلى قتل أقرب الناس إليهم.. اعترف شابٌّ خنق أُمَّه تحت تأثير المخدر بأنه عندما دخل غُرفة نومها تخيَّل وُجود رجل غريب فى فراشها.. واعترف شابٌّ آخرُ اغتصب شقيقته وهو فاقد الوعى بأنه تخيَّلها بنت الجيران التى رفضت الارتباط به عندما تقدَّم للزواج بها.

وبالقطع، هناك جرائمُ أُخرى لم نسمع، أو نقرأ عنها جعلتنا نتعجَّب من ارتكابها ووجودها فى بلادنا، وهو ما يفرض علينا التَّوقُّف عندها، وفحصها، ودراستها، وحلَّها.

هنا يجب ردُّ اعتبار المركز القومى للبحوث الاجتماعيَّة والجنائيَّة الذى أهملناه رغم دوره المُؤثِّر فى الكشف عن الظَّواهر الإجراميَّة، مثل السرقة، والرِّشوة، وفساد المُوظَّفين، والاغتصاب، والتحرُّش، وزنى المحارم، والهجرة غير الشرعيَّة، والمُخدِّرات بالقطع.

وكانت الصُّحُف تتبارى فى نشر دراسات المركز، ما ضاعف من وعى المُجتمع بالمتاعب غير المألوفة، فسعى جاهدًا للتَّخلُّص منها، أو على الأقلِّ تجنُّبها، والتَّخفيف منها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.