يومَ اعتزلت ماجدة الرومى الغرام!

لم تكن ماجدة الرومى فى حاجة إلى التَّنكُّر وهى تأتى إلى كافتيريا مستشفى «دار الفؤاد» لتطمئن على أحمد زكى الذى كان يُعالج من سرطان الرِّئة والحجاب الحاجز، وكان ذلك فى شتاء عام 2005.

بَدَتْ ماجدة الرومى شديدة النحافة.. وسيطر الشُّحوب على ملامحها.. وانخفض صوتها إلى ما تحت الهمس.. وبالنَّظارة السَّوداء التى وضعتها على عينيها، والثَّوب الدَّاكن المُلامس للأرض لم أعرفها، رغم أننى التقيتُ بها أكثر من مرَّة عن قُرب فى القاهرة وبيروت.. بل إن الأطبَّاء الذين كانوا يجلسون على موائد حولنا لم يتعرَّفوا عليها.. ولم ينتبهوا إلى وجودها.

لا يُمكن أن تكون هذه هى ماجدة الرومى التى سهرتُ معها فى فندق سميراميس المُطلِّ على نيل القاهرة نأكل وجبة دسمة من الحمام المحشو والمشوى دعانا إليها عبدالرحمن الأبنودى.

كانت تلتهم الطعام فى مَرَحٍ طفولىٍّ يزيد من البراءة التى تتمتَّع بها ملامحها، وما إن انتهت حتى أمسكت بالعود، وراحت تعزف عليه وهى تُغنِّى «للصبر حدود».. ولم نتصوَّر أن تلك الأغنية التى اختارتها بنفسها تُعبِّر عمَّا تشعر به من ألم.. وعندما وصلت إلى مقطع «وداريت فى القلب كتير.. ورضيت عن ظلمك.. ولكن كل ده له تأثير» حتى انسابت الدموع من عينيها.. ولم نفهم سرَّ ما حدث إلا فيما بعد.

احترمت رغبة أحمد زكى فى إخفاء خبر زيارة ماجدة الرومى له حتى لا تزيد الشائعات التى ربطت بينه وبين ماجدة الرومى.. ولم أكشف سرَّ لقائهما إلا بعد 13 سنة فى مذكراتى الصحفية والسياسية التى نُشرت فى عام 2018.

ربطت الشائعات بينهما فى عمل سينمائى، ثم راحت تسخن يومًا بعد يوم، حتى وصلت إلى الادِّعاء بوجود علاقة حب خفيَّة تجمعهما.

فى ذلك الوقت كانت ماجدة الرومى مُحطَّمة بسبب خيانة زوجها ومدير أعمالها أنطوان دفونى مع فنانة شابَّة تُدعى دانيال بعد عشرين عامًا تحت سقف واحد.. وأجبرها على مُغادرة قصرها فى منتصف الليل بلا ملابس أو نقود.. وبعد أن تعرَّضت للعُنف على يديه.. بل أكثر من ذلك رفض منحها حُرِّيتها بالطلاق إلا إذا تنازلت له عن كثير من أموالها ومُمتلكاتها.. وهو ما كان.

والحقيقة، أن أنطوان كان شخصًا مغرومًا.. مُسيطرًا.. التقيتُ به فى بيروت قبل أن تفضح ماجدة قسوته فى التعامل معها.. وحضرت اللقاء نضال الأحمدية رئيسة تحرير مجلة الجرس.

كان أنطوان يكره أن تُغنِّى ماجدة ألحانًا مصرية، رغم نجاح أغنية «التوبة» التى سبق أن غنَّاها عبدالحليم حافظ، وجُنَّ جمهورها بمهرجان جرش التونسى عندما أدَّتها على مسرحه.

لم أشأ أن أذكِّره بأن ماجدة باعتراف والدها حليم الرومى تأثَّرت بنغمات أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وأسمهان، بل إن أولى أغنياتها التى لفتت أسماع الجمهور إلى صوتها كانت أغنية ليلى مراد «أنا قلبى دليلى» التى أدَّتها فى برنامج «ستديو الفن»، وكانت لاتزال فتاةً مُراهقةً لا يزيد عُمرها على 11 عامًا وعلى وشك اجتياز عتبة الأنوثة.

ولم أشأ أن أذكِّره بأن مُكتشفها الحقيقى هو المخرج السينمائى المصرى يوسف شاهين.

كانت ماجدة قد قدَّمت أولى أغنياتها «عم بحلمك يا حلم يا لبنان» فى عام 1975 عندما لفتت نظر شاهين، فجاء بها إلى القاهرة لتلعب بطولة فيلمها الوحيد «عودة الابن الضَّال» الذى حقَّق نجاحًا ملحوظًا، وإن أُجبرت بعده على إتمام دراستها فى الأدب العربى لتتخرَّج فى الجامعة اللبنانية.

لم أشأ أن أدخل فى جدل عقيم مع أنطوان.. فقد شعرتُ أنه بلا مشاعر.. واكتفيتُ بالاعتذار عن دعوةٍ للعشاء معه وأنا أتساءل بينى وبين نفسى: كيف وقعت ماجدة الرومى بكل ما تحمل من مشاعر رقيقة فى هواه؟ وبما فعل معها تأكَّد حُكمى عليه.

على أنها فى النهاية قطعت علاقتها به، وحافظت على علاقتها بمصر.. وعندما جلستُ أسمعها فى مهرجان الموسيقى العربية وهى تربط بين قوَّة مصر ومصير العرب آمنتُ بأن الموهبة تبقى خالدةً فى مواجهة الثروة الزَّائلة.

ماجدة الرومى تحكى عن الحب والوطن والفن والمرأة المسجونة داخلها