يوم القيامة الجمعة الجايَّة

جلست على مكتبها الصغير بعد أن حصلت على راتبها الشهرى، فى يدها اليسرى سندوتش بيض بالطماطم أعدته فى المنزل توفيرًا لميزانية شراء سندوتشات جاهزة من المطعم، أمامها ظرف لونه أصفر مفتوح وبه 150 جنيهًا و50 قرشًا، فى يدها اليمنى قلم وورقة كتبت فيها احتياجاتها الشهرية، قررت أن تشترى لابنها قميصًا وبنطلونًا بالتقسيط من عمِّ روبير بالإضافة إلى فستان جديد لابنتها مع تسديد بعض الديون، ومساهمة بسيطة فى ميزانية البيت مع زوجها، ثم نظرت إلى أسفل لتجد حذاءها المقطوع، مبتسمةً له، قائلةً: «خلاص بقى يازوبة راحت عليكى»، فقد انتوت شراء حذاءٍ جديدٍ، فجأة التقطت أذناها حوارًا بين زميلاتها فى الهيئة القومية للبريد عن الاختراع الجديد الذى يسمى كمبيوتر، والذى سيجعل من الأطفال عباقرة فى المستقبل، كان سعر الاختراع كبيرًا لا يقدر عليه موظفٌ فى درجتها الوظيفية، لم تتردد لحظةً وباعت آخر ما تمتلكه من ذهب، ودفعته مقدمًا لشراء الكمبيوتر «صخر» لصالح الابن كى يتعلم، وتنازلت عن نصف راتبها لثلاث سنوات تكملةً للقسط، ثم نظرت إلى حذائها المقطوع قائلةً: «كنت عارفة والله، ماتهونش عليكى العشرة يازوبة».

تذكرت أمى وسيدتى المرحومة سامية صادق محمد على وأنا فى ألمانيا، بعد 25 عامًا من هذه الواقعة، فقد كانت هى بطلة هذه القصة، وكنت أنا هذا الطفل الذى تريد أن تستثمر فيه.

هذا الطفل الذى هو أنا.. رُبَّما لا يختلف عن الطفل طارق زكى الذى يبلغ من العمر 31 عامًا، ويعيش فى مدينة شتوتجارت الألمانية، معقل إقليم بافاريا، الإقليم الذى يصفونه بصعايدة ألمانيا، ويطلقون عليه النِّكات، رغم أنه يضم مقرَّات «مرسيدس» و«بى إم دابليو» و«بوش» و«دايملر كرايسلر» و«بورش».

طارق يعمل مديرًا للمشروعات فى شركة بوش، قام بتصميم أصغر شريحة ذكية فى العالم، هذه الشريحة سيتم تركيبها فى التليفونات المحمولة والمستشفيات وربما الملابس، حجمها لا يبلغ أكبر من واحد إلى ألف من الملليمتر، وتستطيع قياس درجة الحرارة والضغط الجوى ودرجة نقاء الجو، ونسب الإصابة بالتلوث، أى لو كنت مريض حساسية صدر فسوف يختار لك التليفون الطريق الذى يجب أن تسير فيه بعيدًا عن الهواء الملوث، ولن تحتاج إلى جهاز لقياس الضغط فى المستشفى ودرجة الحرارة، فهذه الشريحة ستقوم بالواجب وهى داخل ألياف سرير المستشفى أو فى ملابسك. طارق حصل على الدكتوراه من جامعة شتوتجارت، وحصل على جائزة أفضل رسالة دكتوراه فى شتوتجارت، وهو إنجاز علمى لو تعلمون عظيم، فقد تفوق على آلاف الطلاب الألمان، ومن كل جنسيات العالم.. يعمل طارق زكى على ثورة كبيرة فى العلم، بتركيب الدوائر الكهربائية على شرائح مرنة؛ ببساطة، لقد تعودنا أن الدائرة الكهربائية يتم تركيبها على لوح صلب وسميك من القصدير، ومع مرور الزمن أصبح سمك اللوح أقل، لكنه يظل صلبًا لا يجوز طيُّه، لهذا السبب شاشات التلفزيونات والكمبيوتر مسطحة صلبة، والآن يعمل طارق على شرائح مرنة يسهل طيُّها، وهذا سيجعل فى المستقبل التلفزيون على سطح مرن ويسهل طيُّه، كذلك التليفون وغيره من الأجهزة الكهربائية، ولن تمر خمسة أعوام من الآن إلا وستجد جيلاً جديدًا من التليفونات والتلفزيونات والكمبيوترات يمكن طيُّها ووضعها فى جيب البنطلون!

وعلى بعد ساعة بالقطار السريع الألمانى من شتوتجارت تبنى يُمنى عبدالرحمن قواعد المجد فى الكلية الحربية الألمانية بميونخ.. يُمنى تبلغ من العمر 31 عامًا، حصلت على الدكتوراه منذ ثلاثة أشهر، وتم تعيينها مُدرسةً فى الكلية الحربية الألمانية.. يُمنى تعمل على أحدث كاميرا فى العالم، وابتكرت برامج تحليل بيانات خاصة بها. هل تتخيل أن هذه الكاميرا إذامررت من أمامها على بعد 50 مترًا تستطيع أن تقوم بعمل رسم قلب لك، وتقيس التغيرات داخل جسمك، بل وتعرف درجة توترك، وتكتشف إذا كنت كاذبًا أم لا! هذه البرامج لها مستويات مُتقدمة يتم استخدامها فى الجيش الألمانى، ومستويات أقل يُمكن استخدامها فى الشوارع والمستشفيات. ففى المستقبل لن تحتاج لأجهزة الرعاية الطبية فى الرعاية المركزة التىتقيس الضغط والنبض والنفس، يكفى أن تضع هذه الكاميرا أمام سرير المريض ليتحول جسده إلى ألوان؛ اللون الأحمر الكثيف يعنى الحرارة المرتفعة، واللون الأزرق يعنى البرودة.. هذه الكاميرا مُتَّصلة على برنامج فى ساعة يد الطبيب، يقرأ من خلاله بيانات المريض من ضغط ونبض قلب وتنفس دون الحاجة لشبكة الأسلاك الشهيرة المعقدة التقليدية.. العائق الوحيد أمام تعميم هذه التجربة هو مقاومة منظمات حقوق الإنسان لها، بسبب الاعتداء على خصوصية المرضى، ووضع كاميرا أمامهم طوال 24 ساعة غير آدمى.

لكن الأكيد أن الشرطة ستستخدمها فى الشَّوارع، فمن خلالها يستطيعون اكتشاف الأنماط السلوكية للمارة.. حينما وجَّهت يمنى الكاميرا تجاه رأسى وأنا أحاورها فى برنامج «مصر تستطيع» كان رأسى كتلة من اللهب فى الصورة، قلت لها ما تحليلك لهذا، فقالت أنت أعصابك متوترة الآن، وتستخدم كل طاقتك فى التركيز معى بالحوار، ثم مرت بالكاميرا على صدرى لتكتشف من خلال بعض الألوان التى لا أعرفها أننى على أعتاب دور أنفلونزا، وطلبت منِّى اتخاذ الاحتياطات اللازمة، لقد مرَّت بالكاميرا على جسمى وأشارت إلى المناطق التى أشعر فيها بالبرودة الشديدة، وحللت حالتى النفسية والصحية من خلال كاميرا صغيرة، سيتم تركيبها قريبًا فى التليفونات المحمولة لتُصبح فى متناول الجميع ببرامج التحليل التى صممتها عالمتنا الشابة المصرية، لقد سمعت على ربيع يصرخ من مصر «يوم القيامة الجمعة الجاية».

أحمد فايق