يوم رفع العلم المصرى فى طابا

عاصرتُ عرضَ قضية طابا على محكمة العدل الدولية، وكنت شخصيًّا شديدَ القلق من إمكانية كسب إسرائيل القضية، لا لأن الحق معها، فهى أرض مصرية خالصة بما لا يقبل الشك، بل إن هناك أراضى أخرى مصرية الأصل مثل قرية «أم الرشراش» لم تستردها مصر، ولكنَّ مصدر قلقى كان هو إدراكى أن إسرائيل نافذة فى الدوائر الدولية والمنظمات العالمية، ولديها ممثلون وعُملاء فى كل مكان، وخشيتُ أن يتم التلاعب لصالحها..

ولكن مصر شكَّلت فريقًا قانونيًّا متميزًا برئاسة الراحل الأستاذ الدكتور حامد سلطان، وعضوية الدكتور وحيد رأفت، وأستاذ القانون الدولى مفيد شهاب، والدبلوماسى القانونى د. نبيل العربى، بالإضافة إلى المؤرخ الراحل يونان لبيب رزق، وعالم الجغرافيا الدكتور أبوالحجاج، وقد أدار الدكتور عصمت عبدالمجيد حركة هذا الفريق برصانة وهدوء، بل إن الرئيس الأسبق مبارك ذاته أولى ذلك الموضوع عنايته المباشرة واهتمامه الخاص، وكنتُ وقتها سكرتيرًا للمعلومات فى مكتب الرئيس، ولقد بذلنا جُهدًا كبيرًا فى وضع أسئلة التحكيم وبلورتها فيما يُسمَّى «المشارطة»، خصوصًا وأن التحكيم الدولى يستمدُّ ولايته من قبول طرفى النزاع له، وهو ما حدث فى قضية طابا التى شغلت الرأى العام قرابة ثلاثة أعوام، وقد أسهم فى وصول الحق إلى مصر جهد عدد من أساتذة الجغرافيا، وحصول مصر على خرائط من الأرشيف العثمانى فى تركيا، كما أن إسماعيل بك شرين آخر وزير للحربية فى العصر الملكى، وزوج الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق، قد قدَّم من جانبه إسهامًا بخريطة تؤكد حق مصر فى استعادة أرضها فى طابا، وعندما صدر الحكم النهائى لصالح مصر كان ذلك انتصارًا كبيرًا وتحدد يوم الاحتفال برفع العلم فى طابا أمام تجمع مهيب يتقدمه رئيس الدولة وكبار الشخصيات وأعضاء السلك الدبلوماسى العربى والأجنبى، وفى طريق العودة جاءت جلستى فى الطائرة (الهليكوبتر) إلى جانب مفتى الديار المصرية وقتها الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوى الذى أصبح شيخًا للأزهر بعد ذلك، وما إن جلسنا فى الطائرة متجاورين حتى بدأ ذلك العالم الجليل يقول لى إنه يُريد أن يحملنى رسالة إلى الرئيس مبارك نصُّها أن الشيخ ذهب لزيارة قريته فى مركز البلينا بصعيد مصر ولفت نظره أن الأسر القبطية قد غادرت القرية لتحتمى بالمدن بسبب تصاعد حدة التعصب الدينى والضغط على الأقباط، وأضاف الشيخ الجليل أن ذلك أمر لا يقبله الإسلام ولا يرضى به ولى الأمر، فهم أهل كتاب ولا يجب أن نعاملهم بغير ما أمرنا به الإسلام الحنيف، وقد حملت رسالته إلى الرئيس الأسبق الذى تأثر بها كثيرًا، وكان يحكيها لكبار المسئولين، وقد قلت للشيخ يومها: إن شهر رمضان المبارك على الأبواب، وأتمنى على الله أن تكون بدايته هى يوم الجمعة وليس الخميس، فسوف نسافر صباح ذلك اليوم فى زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فنظر إلىَّ الشيخ -وكان يحترم الشرعية كثيرًا- وقال: هل هذه رغبة السيد الرئيس أم أنها طلب منك؟ فأُسقط فى يدى، وقلت له: إن الرئيس لا دخل له فى هذا على الإطلاق، إنما هى مطلب منِّى إذا كان ذلك شرعيًّا، وضحكنا معًا، وأدركت أن العلاقة بين رجل الدين الكبير والسلطة ذات أهمية خاصة يحرص عليها الطرفان.

إن المعركة القانونية والدبلوماسية التى خاضتها مصر لاستعادة طابا هى واحدة من أنصع صفحات تاريخنا الحديث؛ لذلك فهى تستحق الإشادة دائمًا، فمصر استعادت أرضها المحتلة بكل الطرق، وهى الحرب المسلحة، والمفاوضات المباشرة، ثم بالتحكيم الدولى؛ لأن تراب مصر غالٍ على أهلها، ولأن خريطة مصر هى واحدة من أقدم الخرائط فى الوجود، كما أن المصرى ينتفض إذا مُسَّت أرضه، أو جرى العبث بمياهه، وتلك حقيقة ندركها منذ بدايات العصر الفرعونى حتى الآن.. إننا نقول دائمًا إن مصر كانت –ولاتزال، وسوف تظل- عصيَّةً على أعدائها، قويَّةً أمام خصومها، قائدةً فى الحرب، ورائدةً فى السلام.