چان نجار حفيدة چوزيف سموحة مؤسس مدينة سموحة بالإسكندرية فى حوار لـ«7 أيام»

لم يكن اسم الإسكندر المقدونى وحده رمزًا للإسكندرية فهناك من شيَّد وأسَّس وأصبح اسمه رمزًا من رموز الإسكندرية أيضًا، وهو اليهودى المصرى (چوزيف سموحة) الذى أسس مدينة سموحة والعديد من المرافق التى توجد حتى الآن هناك.. التقت (7 أيام) بحفيدة چوزيف سموحة (جان نجار) وهى أيضا حفيدة چوزيف موصيرى اليهودى المصرى الشهير، الذى ساهم فى بناء المعبد اليهودى بشارع عدلى، رفضت جان أن تتحدث عن السياسة وجعلت الحوار عبارة عن نوستالجيا لطفولتها البريئة فى مصر مع عائلتها وهجرة أسرتها واليهود من مصر فى ذلك الوقت.

قصر_جوزييف موصيرى كانت تعيش فيه جان وهى صغيرة

فبعد استقرار جان فى أمريكا بعدة سنوات عملت كمحررة لحسابها الخاص ثم فى مجال ترجمة الكتب والمقالات من الفرنسية والإيطالية ومراجعات الكتب لصحف نيويورك تايمز، وصوت القرية، والناشرين الأسبوعية. فى عام1972، انضمت إلى Liveright لاكتساب مهارات كبار المحررين، كما عملت كعضو فى المنتدى العالمى للمرأة، والمجموعة الإعلامية للمرأة وعضو فى رابطة النواب المؤلفين مع بعض الوكلاء، والرئيس السابق للـAAR، وعملت فى مجلس إدارتها لسنوات عديدة، واستمرت إلى أن أصبحت ناشطة فى اللجان المختلفة، وفى عام 1978 أنشأت وكالة أدبية تحت اسم the Jean V. Naggar Literary Agency فى مدينة نيويورك.. «7 أيام» التقت بها لنعرف منها المزيد عن حياتها وطفولتها وتاريخها فى مصر.

جان وعائلتها

فى البداية حدثينا عنك وعن تاريخ عائلتك فى مصر؟

أنا الآن أم وجدَّة، وأعيش وأعمل فى مدينة نيويورك، لكننى نشأت فى القاهرة، وسط أسرة متعددة الأجيال فى منزل كبير بناه جدى، چوزيف موصيرى، على حدود نهر النيل. هو الآن مقر إقامة السفير الروسى، وكنت الطفلة الوحيدة لمدة خمس سنوات فى ذلك البيت، وعشنا مع جدتى، جين موصيرى، وعمتى الكبرى هيلين موصيرى.

جدى كان رجلاً متدينًا ووطنيًا ومحبًا لمصر قام بتأسيس كنيس يهودى ومسجد وكنيسة فى نفس الوقت!

وجاءت عائلة والدى المعروفة باسم (موصيرى المصرفية) إلى مصر عبر إيطاليا، بعد أن فروا من محاكم التفتيش الإسبانية، حيث كانت تجارتهم مزدهرة فى توليدو، وبعد ذلك استقروا فى ليفورنو بإيطاليا، وحاولوا بعد ذلك تطوير عملهم والتجارة عبر البحر الأبيض المتوسط. وكان فرع من عائلة موصيرى قد قرر الاستقرار بالقاهرة فى أواخر القرن الـ18، حيث وجدوا أنها تحتضن جميع الطبقات، فكان هناك تنوع واختلاف وكان المجتمع عالميًا ومتعدد الثقافات.. تواصلوا مع السلاطين والأمراء فى مصر حينذاك، وأصبحت عائلة موصيرى باشا متأصلة فى الحياة الاجتماعية والثقافية المصرية لأكثر من 200 عام، وأنشأوا شبكات عبر الحدود الوطنية والدينية، التى أدت بهم لقيام حياة منتجة سعيدة جنبًا إلى جنب مع المصريين ولاقى أفرادها الترحيب من الجيران والمجتمعات الأوروبية أيضًا.. فى ذلك الوقت كان يوجد احترام لكل فئات المجتمع المصرى فهناك احترام للممولين الذين قاموا بإنشاء المستشفيات ودور الأيتام والمراكز المجتمعية والمدارس والمعابد اليهودية، كما أنشئت محكمة القانون المدنى الدولية المعروفة باسم Mixtes المحاكم المحلية.

جان وهي صغيرة

كانت عائلة والدتى المعروفة باسم (سموحة) لها جذور وأصول عميقة فى الشرق الأوسط حيث جاءت والدتها من دمشق بسوريا، وولد والدها فى بغداد.

جدى چوزيف سموحة، كان رجلاً متدينًا ومحبًا لوطنه مصر ولقد موَّل إنشاء كنيس يهودى فى مصر، كما أنه قام فى نفس الوقت أيضًا بإنشاء مسجد وكنيسة، اجتمع جدّى وجدتى وتزوجا فى مانشستر بإنجلترا، وبدآ فى تربية الأسرة هناك.. ساعد عمل جدى مع الحكومة البريطانية حينذاك فى أن يسافر إلى مصر خلال الحرب العالمية الأولى، حيث استقر فى نهاية المطاف مع عائلته بها، ولقد ساهم جدى برؤيته فى تنظيم المشاريع، وبماله لإحياء مدينة الإسكندرية وإعادة هيكلتها وتطويرها، حيث انتشر بها فى ذلك الوقت البعوض بسبب البحيرات، لذلك قام بالبناء والتعمير بيئيًا للتطوير العقارى الفريد من نوعه، والذى تضمن أيضًا الساحات العامة والشوارع التى تصطف على جانبيها الأشجار، وإقامة ناد رياضى وملعب جولف وملعب للسباق، والمنطقة كما يعرف الجميع لا تزال تعرف باسم (سموحة).

أخبرينا عن كتابك (رشفة من نهر النيل) وعن الجوائز التى حصلت عليها؟

بعد سنوات عديدة من العمل الأدبى فى مدينة نيويورك، بدأت أوقن أنه فى حين يحمل أولادى وأحفادى مفاتيح مستقبلهم، أمسك أنا المفتاح لماضيهم، فهم لهم الحق فى التعرف إليه إذا ما حاولوا اقتفاء أثره يومًا ما، لأن المجتمع والعالم الذى كنت أعرفه عندما كنت طفلة قبل أزمة السويس عام 1956 قد اختفى تماما كما لو أنه لم يكن موجودًا أبدًا، فما عشته فى مصر التى أعرفها قد انتهى تمامًا، ولكنه مدرج بمذكراتى وكتابى (رشفة من نهر النيل –قصة خروجى من مصر)..  بالنسبة لى كانت عملية كتابة مذكراتى تجربة تحول كبيرة لى، لقد احترمت الماضى الذى ارتد صداه أمامى من خلال استرجاع العقود الماضية والتى أعطت للحاضر حلولا ومعرفة بالذات ومعانى وجوهرًا، لقد استغرق الأمر منِّى 50 عامًا حتى أكون قادرة على كتابة ذكرياتى، والموازنة بين التعمق فى حياتى الحالية والسفر بعقلى وقلبى إلى العالم الجميل الذى عشته فى طفولتى وأيضًا استرجاع الأحداث الأليمة التى أنهت هذا العالم. ويسعدنى أن كتابى وصل إلى الدور النهائى للجوائز الدولية للكتاب، كما أننى سعيدة للغاية لأن الكتاب لاقى إعجاب جمهور واسع من القرّاء.

متى اتخذت العائلة قرار الهجرة من مصر؟ ولماذا؟

لم يكن هناك قرار للهجرة، لماذا نترك وطننا.. كانت مصر وطننا.. ومع ذلك ونتيجة للتدابير المتخذة فى أعقاب أزمة السويس، اضطررنا إلى ترك البلد، فكان لدينا جوازات سفر إيطالية. وفى عام 1956 شاهدت كيف أصبح والدى غير مرحب به فى حياته الخاصة، لقد استدعى من قبل مسئول إلى المكاتب الحكومية لإبلاغه بقرار الطرد ومغادرة مصر فورًا وبلا عودة، نظر والدى على القرار وصعق من السخرية.. فلقد أجبر على ترك وطنه الذى عاش فيه خمسة أجيال من عائلته، كان قد تم استدعاؤه إلى مكتب من مكاتب الحكومة المصرية والذى يقع فى الشارع الذى سمى على اسم والده، حتى يقوم مثله مثل أى يهودى مصرى يحمل جواز سفر مصريًا بالتوقيع على أوراق بأنهم لن يعودوا أبدًا إلى مصر، وأخذت منهم جوازات سفرهم المصرية إلى الأبد. وكان العديد منهم لا يود أن يسافر أبدًا خارج مصر، فلقد صودرت منهم أوراقهم حتى يكونوا فى وطنهم من دون أى وسيلة للبقاء على قيد الحياة.

ففى عام1956، تم طرد الجاليات اليهودية المزدهرة فى مصر، كان عددهم يقدر بنحو 80000 تقريبًا أرغموا على النفى بين يوم وليلة، وتم إجبارهم على ترك منازلهم خلفهم، وأعمالهم التجارية، والهياكل الاجتماعية وثرواتهم وصداقاتهم مدى الحياة، وإلى الأبد.

جوزييف موصيري

حتى الآن لا يزال اسم سموحة رمزًا فى الإسكندرية.. فما شعورك حيال ذلك؟

يحزننى نوعًا ما، فالرجل السخى الذى قدم الكثير لمصر والذى كان يحبها أجبر على العيش فى المنفى غير مرحب به فى شيخوخته. اسمه يبقى فى الإسكندرية الآن، ولكن إرثه سُرق منه ومن أبنائه وأحفاده.

الرئيس جمال عبدالناصر قام بتأميم ممتلكات سموحة فى الماضى.. ولقد تقدمت أسرة سموحة بدعوى قضائية للتعويض عن الأراضى المصادرة وتشير التقديرات إلى أنها بمليارات الجنيهات.. هل سوف تستمرون فى رفع القضية للمطالبة بهذه الحقوق؟

فيما يتعلق بحالة الحصول على تعويض أنا لا أعرف حالة الدعوى الآن، وليست لدى أية وجهات نظر سياسية، ما أستطيع أن أقوله فقط هو أننا تم طردنا من مصر وطننا، وأجبرنا على ترك جميع ممتلكاتنا خلفنا، ولكن حصلنا على حياتنا وإعادة صنع حياة جديدة الآن.

هل فكرت العائلة فى الهجرة إلى إسرائيل؟

عائلتى لم تكن لديها أدنى نيّة للهجرة إلى إسرائيل، فاليهودية بالنسبة لنا ديانة وليست جنسية، وأصل عائلتى وتوجهها كان دائما وأبدا إلى أوروبا وأمريكا.

والدة جان

من المعروف أن اليهود المصريين أثروا كثيرًا فى الحياة الثقافية والفنية والاقتصادية فى مصر.. ما رأيك؟

شاركنا فى ذلك بالتأكيد، ودعينى أخبرك أن مصر بلدنا أيضًا، وكان على هذا النحو يجب علينا أن نعطيها كل ما نملك ونساهم بكل ما بوسعنا لصالح بلدنا.
هل تمتعت مصر فى عهد الملك فؤاد والملك فاروق بالحرية الدينية أكثر مما هى عليه الآن؟على الإطلاق، مصر لا تزال تحت تأثير الإمبراطورية العثمانية، حيث يتم تشجيع الحرية الدينية والتنوع أيضًا.

جوزييف سموحة و روزا أديس

ما الحالة الوحيدة التى تجعلك تفكرين فى العودة للعيش مرة أخرى بمصر؟

أعيش لسنوات عديدة وحتى الآن فى أمريكا. ولقد تأثرت عائلتى بكل شىء هنا، ولقد تم الترحيب بنا، وعملى هنا، وقمت بتأسيس وكالة أعمال أدبية مزدهرة.. هذا هو الآن بيتى، على الرغم من أننى بالطبع أحب زيارة مصر مرة أخرى.

فى مصر الآن عدد قليل من الجالية اليهودية هى لكِ أقارب منهم؟

بقدر ما أعرف، لا يوجد إلا 10 يهود من الذين أرغموا على ترك مصر، وأقاربى الذين مازالوا فى مصر هم هناك فى مقابر اليهود بالبساتين.

من الكاتب المصرى المفضل لديكِ؟

أنا أكثر الناس حبًا لروايات الأديب العالمى نجيب محفوظ.

متى كانت آخر مرة قمت بزيارة الإسكندرية وهل ستزورينها قريبًا؟

آخر زيارة لى للإسكندرية كانت عام1956، وآمل كثيرًا أن تتاح لأولادى وأحفادى فرصة زيارة كل من القاهرة والإسكندرية فى المستقبل والتواصل مع أصولهم هناك.